الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
62
مناهل العرفان في علوم القرآن
بالرسول اتصالا يؤثّر به الأول في الثاني ، ويتأثّر فيه الثاني بالأول ، وذلك باستعداد خاص في كليهما ، فالأول فيه قوة الإلقاء والتأثير ، لأنه روحاني محض ، والثاني فيه قابلية التلقي عن هذا الملك لصفاء روحانيته ، وطهارة نفسه المناسبة لطهارة الملك . وعند تسلّط الملك على الرسول ينسلخ الرسول عن حالته العادية ، ويظهر أثر التغير عليه ، ويستغرق في الأخذ والتلقي عن الملك ، وينطبع ما تلقّاه في نفسه ، حتى إذا انجلى عنه الوحي وعاد إلى حالته الأولى ، وجد ما تلقّاه ماثلا في نفسه ، حاضرا في قلبه ، كأنما كتب في صحيفة فؤاده كتابا . أتظن - أيها القارئ الكريم - أن المخلوق يستطيع أن يؤثّر في نفس مخلوق آخر ذلك التأثير بواسطة التنويم المغناطيسى ، ثم لا يستطيع مالك القوى والقدر أن يؤثر في نفس من شاء من عباده بواسطة الوحي ؟ كلا ثم كلا « إنّه على ما يشاء قدير » . « الدليل العلمي الثاني » . أن العلم الحديث استطاع أن يخترع من العجائب ما نعرفه ونشاهده وننتفع به ، مما يسمونه التليفون ، واللاسلكى ، والميكرفون ، والراديو . وعن طريق أولئك أمكن الإنسان أن يخاطب من كان في آفاق بعيدة عنه وأن يفهمه ما شاء ويرشده إلى ما أراد . فهل يعقل بعد قيام هذه المخترعات المادية أن يعجز الإله القادر ، عن أن يوحى إلى بعض عباده ما شاء ، عن طريق الملك أو غير الملك ؟ . تعالى اللّه عما يقولون علوّا كبيرا . « الدليل الثالث » استطاع العلم أيضا أن يملأ بعض أسطوانات من الجماد الجامد الجاهل ، بأصوات وأنغام ، وبقرآن وأغان وكلام ، على وجه يجعلها حاكية له بدقة وإتقان ، وبين أيدينا من ذلك شئ كثير لا سبيل إلى إنكاره يسمونه ( بالفونغراف ) . أبعد هذه المخترعات القائمة ، يستبعد على القادر تعالى بوساطة ملك ومن غير وساطة ملك ؛ أن يملأ بعض نفوس بشريّة صافية من خواصّ عباده ، بكلام مقدس